ابن أبي الحديد
303
شرح نهج البلاغة
لا يفاتون بوتر ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم إلى العلياء هممهم ، كما قالت الأزدية : قوم إذا شهدوا الهياج فلا * ضرب ينهنههم ولا زجر وكأنهم آساد غينة قد * غرثت وبل متونها القطر . فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ، حتى إذا ذاقوا وخز الشفار ، وأيقنوا بحلول الدمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها ، وعائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء ، تسفى عليك رياحها ، ويعتورك ذبابها . وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا إزالتك عن معقود نيتك ، لكن الرحم التي تعطف عليك ، والأوامر التي توجب صرف النصيحة إليك . فقال معاوية : لله درك يا بن عباس ! ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ، ورأي أصيل ! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم . ثم نهض ، فقام ابن عباس وانصرف . * * * وروى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه ، أن عمرو بن العاص قال لعتبة أن أبي سفيان يوم الحكمين : أما ترى ابن عباس ، قد فتح عينيه ، ونشر أذنيه ، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل ، وإن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته ، وهي ساعتنا الطولى فاكفنيه . قال عتبة بجهدي .